المشاركات

موسم المطر

صورة
  بعد أن انهار بيت جدي الطيني البارحة لم استطع الخلود إلى النوم، تقلبت طوال الليل في السرير أستمع للرعود تدوي في الخارج، مثل سياط تبرح الغيوم جلدًا، حتى أمطرت، مطرًا خفيفًا متتابعًا، لم يتوقف إلا قبيل الفجر بقليل، بعد أن أعاد ملأ البرك التي ارتوت الأرض منها ولم تنفد، وغسلَ القرية التي لم تجف بعدُ منذ هطل هذا النهار. خرجتُ بعد الشروق أتفقد بيت الطين المنهار، واستقلبتني رائحة الأرض بعد المطر، لم يهطل المطر بهذا الغزارة من قبل، على الأقل في حياتي. لم يكن الجزء المنهار كبيرًا لكن الضرر قد وقع، ولا يمكن إزالته بدون المساس بجمال البيت وأصالته. وأما عالم القرية الصغير فقد تغير كثيرًا، لا شيء يشبه ما اعتدت عليه، كل شيء صار أخضر ومبتل. الحقول أصبحت مثل المستنقعات، معشوشبة ومليئة بالبرك، وفي عز خضرتها كانت الأشجار النامية بعشوائية على أطراف الحقول مثل فاتنات في عرس، والبيوت مثل خراف متناثرة بين المزارع وعلى سفوح الجبال، وادعة وآمنة، بعكس بيوت الطين التي أشبعتها الأمطار غرقًا. لوهلة شعرتُ بأنني لا أنتمي لهذا المكان، فيما بدا كل شيء آخر مستمتع به، وكأنه خلق لهذا الفصل، ولهذا الموسم. الحمام...

الحنين وأشياء أخرى في رسالة

صورة
عزيزتي م. م. أحن لك كثيرًا هذه الأيام، لا أعرف لماذا ولكن هكذا يعمل الحنين، عشوائي وحاد للغاية، يقطع عميقًا بداخلنا حتى يصل إلى مناطق مؤلمة جدًا. ولسبب أجهله استمر بتذكر لحظة بعينها، بوضوح شديد وكأنها كانت البارحة، كنت أجلس في الساحة المكتظة بالطاولات والكراسي الخشبية أمام مبنى د الصغير، وكنت أحل واجب مادة الاستماع إن لم أكن مخطئة، وكنت منغمسة في الحل ثم شعرت بشعور غريب، حاجة ملحة لرفع نظري، وكنت تقفين أمامي متكئة على الكرسي المقابل تتأملينني وعلى وجهك ابتسامة دافئة، شعرت بالخجل والسعادة في ذات الوقت لأن شخصًا مثلك موجود في حياتي، شخص يمكن أن يقف بصمت لدقيقة يراقبني وأنا أقوم بشيء ممل جدًا مثل حل واجب. ولكن الواجبات هي ذاتها التي دفعتني بعيدًا عنكِ وعن البقية، بقدر ما كنت استمتع بقضاء الوقت معكم بقدر ما كنت أتضايق من سخريتكم المستمرة من حرصي على المذاكرة والواجبات وحضور المحاضرات حتى المملة منها بعد الواحدة ظهرًا، مع أنكم كنتم جميعًا متفوقات إلى حد ما، لكن الواجبات بدت لكم مستوى مختلف من الالتزام، وأنا لم أكن أبدًا طالبة مثالية لكني فقط أشعر بحس أكبر بالمسؤولية تجاه واجباتي الدراسية، و...

اللحظات الأخيرة تحت الشمس

صورة
  *                                                        نحن الشراغيف الصغيرة نتيجة حتمية لغرائز الكبار الملحة، التي تدفعهم للنقيق طوال الليل والقفز لمسافات بعيدة، وهذه الغرائز تأتي بالكثير والكثير منا، مفترضة أن الكثرة تزيد فرص النجاة، لكن المطر لم يهطل اليوم أيضًا، ربما ما زال في استراحة قصيرة أقصى الجنوب، وربما لم يكن في أقصى الجنوب فنحن لم نعش كفاية لنسأله بعد أن يعود أين كان منا؟ ومع غيابه طوال الأيام الماضية عربدت الشمس في السماء كل ضحى، وشربت ما قدر لها أن تشرب من بِركنا الصغيرة. حاولت الغيوم العقيمة أن تحد من نهمها، فكانت تأتي متأخرًا كل نهار لتحجبها عنا، ولكن الضرر كان يزداد ولا ينقص، بعكس الماء، حتى استيقظنا اليوم محشورين في بركة صغيرة، بالكاد تجد فيها متسعًا لتحرك ذيلك، لقد كنا بقعة مكتظة من الرؤوس السوداء والذيول القصيرة. في بداية الحياة التي عرفناها كانت البركة باتساع العالم، وكان يمكن رؤية خنافس الماء ...

العزاء في زمن الكورونا

صورة
قبل أربعة أسابيع تقريبًا كان يمكنني تلخيصه في "لا مساس" كما قال أبي وهو عائد من المقبرة، خائف وعيونه مغرورقة بالدموع، على حد وصف أختي. توفي جدي "علي" عم أمي (رحمه الله) في ذلك الوقت، أي في بداية فترة الحجر الصحي وحظر التجول تقريبًا، وكان أكثر شيء يشغل بالي كيف يمكن أن يدفن رجل فاضل مثله بهدوء، أين الأربعون أو المائة الذين سيشهدون له؟ كيف يمكن أن يورى التراب دون أن يحضر دفنه محبوه الكثر الذين كانوا يزورونه كل يوم؟ كان جدي علي إمام مسجد المِعيَن الصغير القريب من بيته، وكان أبي يكرر دائمًا بأنه لم ينقطع عن زيارة جدتي –أمه- في حياتها رحمهم الله جميعًا، وفي كل مرة نزوره كان يمسك بمصحف بين يديه ويبقي إصبعه على موضع الآية التي توقف عندها بسببنا، وبين الفينة والأخرى كان يلقي نظرة على إصبعه ليتأكد أنها لم تتزحزح، كان يختم القرآن كل ثلاثة أيام، وكان يدعوا الله حسن الخاتمة في كل لقاء به، وفي ليلة الأثنين توافه الله نائمًا في بيته على سريره. وفي العزاء بقيت الكفوف في الحجور، والوجوه قليلة جدًا ومألوفة جدًا، ومن فوق رأسي روت حفيدته قصة موته، وأبقيت الدموع في...

حفلة وداع

صورة
Saatchi Art Moral Painting By Seba Art Gallery - Moral Painting رأيته يحمل القمر والشمس في كفه، يقلبهما، يبرد الشمس بالقمر ويحرق القمر بالشمس. وحوله يرفرف ديك بقدمٍ واحدة، يقفز في دوائر، وذيله يشتعل نارًا، والشرر يتطاير في كل مكان، وهو يضحك ويبصق عليه. وخلفه النجوم مصطفات في صفوف متقابلة، يلعبون الخطوة الجنوبية، وقرود الرباح تطبل لهم على قدور الأرز الفارغة. كان رأسه يدور، مثل كرة أرضية، كان شماله يقطر وجنوبه يتبخر. وكانت عيناه بئران جافتان، عشعش الولع بين نطفها. كان يستقبل الضيوف على مقاعد من إبر، وكانت الإبر تجمع الدم في بطون الماعز، وترضع الحيات الحليب الأحمر، ثم تضع البيض العفن الذي يأكله الضيوف في موعد العشاء. كنا خمسين ألف، وكان خمسين خمسين ألف. كنا سود، وكان أزرق، مثل محيط. كنا مرضى، وكان قريبًا من الموت، وعَدَنا أنه سيموت، لكنه لم يكن صديق الموت المقرّب، ولم يكن الموت يحتاج واسطته. كانت المرايا تخدمنا، ولم تكن أشكالها تعجبنا، رغم أنها كانت طوال نحاف. ثم حضرت الجبال متأخرة، وانتثر صغارها في المكان، كسروا كل البيض، وحلبوا كل الماعز، واختبأت بينهم الحيات. ثم أعلن موعد ...

بكيني الأخلاقيات النسبية

صورة
في الحلقة الأخيرة من الموسم الأول من برنامج Hello counselor [1] الكوري، وصلتهم رسالة من امرأة في الثلاثين متزوجة منذ 7 سنوات ولها بنتين، قبل زواجها كانت تعمل مدربة صحية وشاركت في عدد من مسابقات بناء الأجسام، ولكن بعد الزواج والإنجاب توقفت عن عملها، ومنذ سنتين عادت للاهتمام بلياقتها والتردد على النادي الرياضي، والآن تريد العودة للمشاركة في مسابقات بناء الأجسام في فئة البكيني. تتلخص مشكلتها في رفض زوجها مشاركتها في مسابقات بناء الأجسام، وتهديده بطردها من البيت إذا شاركت في أي منها، ولأنه لم يصارحها حقيقة بسبب رفضه -مع أنه لا يمانع ذهابها للنادي الرياضي- ولا يسمح لها بفتح الموضوع أو الحديث عنه، أرسلت مشكلتها للبرنامج أملًا بأن يقتنع بمناقشة الموضوع معها والإفصاح عن سبب رفضه وعناده. بعد عدة محاولات من المذيعين لاكتشاف السبب الحقيقي وراء رفضه لمشاركة زوجته في هذه المسابقات، اعترف بأنه لا يحب أن تظهر بالبكيني على المسرح وتستعرض جسدها على مرأى من الجميع. في مجتمع علماني مثل كوريا، خضع لتغيرات سريعة في المبادئ والأخلاق، بدى سببه لغالبية الحضور غير مقنع ولا يمكن تفهمه، لا سيما وأن ...

كنا نباتات

صورة
لقد كنا نباتات تطفو على سطح الماء، حتى قيل لنا أن هناك حاجة ملحة لأن نصبح بشرًا. قاومنا في البداية لكننا أخيرًا صرنا بشرًا. وقد كان الأمر مقرفًا، خاصة هذه الأيام. سمعت أن البشر الأوائل لم يكونوا بهذا السوء لكن الزمن طال على البقية وزاد معه جشعهم وحبهم للقتل والرذيلة. ليس بوسعنا فعل أي شيء حيال هذا، فمازلنا نتصرف أحيانًا مثل النباتات. كما تعلم الطبيعة لا تموت في الأصل بسهولة، إنها فقط تختبأ عميقًا بداخله. وهناك تزداد حدة حتى تخترقه وتخرج أخيرًا. سمعت إشاعة بأن الحاجة لنا انتهت لكني أشك في مصداقيتها فمازال يطلب منا أن نتصرف كبشر. ولا أدري حقًا من بالضبط على هذه الأرض يحق له أن يحدد كيف يفترض بالبشر أن يتصرفوا. لكني لا حظت أن الأقوى والأغنى هم من يحددون كيف يتصرف البشر، وغالبًا لا تبدو لي تصرفاتهم منطقية أو حتى بشرية لكن من أنا  لأحدد ما هو البشري حقًا. كل ما أعرفه أن حياتي عندما كنت نبتة كانت أسهل بكثير. كل ما عليك فعله هو العيش مثل بقية النباتات على سطح الماء. لا شيء خاص تقدمه لهم ولا توقعات منهم.  لكن البشر مختلفون يتوقعون من الجميع أن يقدم لهم شيء، وأسوء من ذلك أنهم ...

صناعة الارهاب: احذروا الارهابي الصغير!

صورة
Save the children by Ms. Wade , from  Ghostly Hollows series. في شهر يونيو الماضي قرأت خبرًا صادمًا عن قرار حكومة رئيسة الوزراء البنغلاديشية الشيخة حسينة، بحرمان أطفال الروهنغيا اللاجئين في بنجلاديش من الانخراط في المدارس المحلية، واستهل  المقال  الخبر بالتالي:   "قد يصبح نصف مليون طفل في مخيمات اللاجئين الروهينغا محرومون من الانتساب إلى النظام المدرسي التقليدي، «جيلا ضائعا»، في حين يُقلق تفشي شبكة من المدارس الدينية المراقبين."   ولحل هذه الأزمة الفادحة فتحت منظمات من الروهنغيا مع منظمات إسلامية من بنغلاديش مدارس دينية لتعليم القرآن في مخيمات اللاجئين الروهنغيا، ولكن هذه المدارس بنظر البعض ما هي إلا مصانع للإرهاب يجب مراقبتها وفقًا لمبشر حسن الخبير في شؤون التطرف في جامعة أوسلو، ولمجموعة الأزمات الدولية، إذ يرون أن هذه المدارس، رغم عدم وجود دليل، حاضنات مؤهلة لخلق جيلٍ متطرف.   نحن نشهد تطهيرًا عرقيًا وتمييزًا عنصريًا وإرهابًا مستمرًا يمارس على أقلية الروهنغيا المسلمة في بورما باسم الدين وتحت مضلة سياسية لا تزيدها...

هي أشياء لا تشترى

صورة
انفجر تويتر أخيرًا بنداءات التطبيع مع إسرائيل والتبرؤ من فلسطين وأهلها، والسبب حرب السباب والشتام الدائرة منذ سنين بين المغيبين من الفلسطينيين والسعوديين. لا يهم حقًا أي طرف بدأ هذه الحرب الوضيعة، فالعقلاء يعرفون جيدًا الوحيد الذي له مصلحة منها، الوحيد الذي سيبتلع الأرض والثروات ويبني المزيد من المستعمرات في هناء بينما العالم غارق في سب الحكومات والشعوب وتخوينها وتبادل الاتهامات لإخراس الضمائر المتهدلة على الصدور الخالية من المروءة. حجة المنادين بالتطبيع الوحيدة هي مصلحة المنطقة وازدهارها وتحقيق السلام لها، ولا يمكنني إلا أن أتساءل كيف لسارق ومغتصب لا تكف يداه عن الانغماس في الدماء وإذكاء الحروب، أن يحقق لمنطقة يزعزها منذ احتل ما احتل منها أي من هذا؟! هل ستغدق إسرائيل على الحكومات والشعوب العربية الفقيرة بالمال لتحقق ازدهارًا للمنطقة، إذًا فالفلسطينيون الذين هدمت بيوتهم وشردتهم وهجرتهم إلى أصقاع الأرض أولى بهذا المال الذي خرج مباشرة من أرضهم. أم ستتدخل وتوقف الحرب في سوريا بأن تقنع حليفتها إيران، التي لا تكف عن الادعاء بأنها عدوتها اللدودة، بأن تسحب مليشياتها وضباطها وعساك...

قفاز أسود: أنا لست حَجّة!

صورة
اسمي منيرة مواليد 1992 ولست متزوجة، تخرجت في كلية اللغات والترجمة: تخصص اللغة الإنجليزية، بتقدير ممتاز، وأحمل شهادة ماجستير في الترجمة بتقدير ممتاز، ولغتي الإنجليزية ممتازة وليست مجرد درجات على ورق. كاتبة ولي رواية تحمل عنوان "بغلة القبور" ومترجمة مستقلة*. عندما أخرج من البيت أبدو هكذا: عباءة سوداء مستطيلة أقرب ما تكون للمربع لأنني قصيرة القامة، أكمامها واسعة إلا عند الرسغين فهي ضيقة لا تظهر منها ذراعاي ولا ملابسي، ولا يوجد بها أي لون غير الأسود، ولا أي نقش أو تطريز، وأرتدي نقاب أطول من النقابات الموجودة الآن في الأسواق، بطبقة فوق العينين، فلا يظهر منهما إلا شيء بسيط على قدر الحاجة، وأرتدي القفازات السوداء والشرابات الملونة -وإن كانت لا تظهر من تحت عباءتي الطويلة وأحذيتي المغلقة. أحب أن أحمل كروس بودي باق صغيرة بلون أحمر تكفي لحمل محفظتي وهاتفي الجوال. وفي الصيدلية يناديني الصيدلي الطويل: يا حجة، وفي السوبر ماركت تناديني العاملة في منتصف العمر: يا أمي، وفي محل ملابس الأطفال الذي دخلته فقط لأستفسر عن التخفيضات لأن أمي تريد شراء ملابس لحفيدتها؛ يناديني البائع ا...